الارباك الليلي.. جنود الحق في العتمة

وحدة الإرباك الليلي
وحدة الإرباك الليلي

الرسالة- رشا فرحات  

تبدأ حكاياتهم بعد العاشرة والنصف ليلا، وما إن يهدأ المكان حتى تشتعل إطارات الكاوتشوك فيحجب دخانها الرؤية، ويتسلل الشبان حتى الأسلاك الشائكة ويبدأون بتقطيعها، ولعل من أطلق عليهم "وحدة الارباك الليلي" لم يكن مبالغا، جماعات من الشبان، يظهرون بغتة كما الأشباح!

 يدورون بالعتمة فيربكون جنود الاحتلال في ثكناتهم الموزعة على الحدود، تبحث عنهم أعين القناصة يمينا ويسارا، ولا تجدهم، إليهم يعود الفضل في كثير من ابداعات المسيرات السلمية، بدءا بالكاوتشوك وحتى مسيرات زيكيم، حتى باتوا يشكلون هاجس رعب على الحدود لكل جندي يفكر في الحركة من ثكنته!

تدور أعين الجندي بحثا عن شيء يلوح في العتمة، لا يعرف إن كان إنسا أو جنا فيطلق رصاصا عشوائيا، تستدركه عيون المربكين حادة النظر، ربما ينبطحون أرضا لتفادي الرصاصات المتناثرة، قبل أن يلف الصمت المكان مرة أخرى.

ابداعاتهم لم تنته، كل يوم يبتكرون طريقة جديدة مربكة، ولعل منها أنهم يقومون بتعليق قطعة قصدير في بالون حراري يتحكمون فيها عن بعد، وحينما يحلق البالون فوق المستوطنات المجاورة تنطلق صفارات الإنذار، فيقوم من يقوم هاربا مستنفرا، خائفا من صواريخ القسام التي لم تطلق، معتقدا أن صوت الإنذار حقيقي، ولكن الصوت يختفي بعد دقائق، تاركا رعبه في القلوب والوجوه، ومشكلا حالة استنفار حقيقية في صفوف المستوطنين.

وحدة الارباك تلك تضم مجموعة من الشباب، مجهولي العدد، مجهولي الانتماء، يحكمهم قهر القلوب، الذي تحول إلى تحد، ليجعلوا من الجنود والمستوطنين المحتلين أضحوكة آخر الليل، التي يسهرون عليها قبل أن يفرشوا لتناول عشائهم ويتندروا ضاحكين على رصاصات الجندي التي تعكس رعبه، ثم يخلدون إلى النوم في هواء الأرض الطلق، آمنين مطمئنين، ثم يعودون إلى بيوتهم قبل بزوغ الضوء.

ومن تلك النوادر التي يتم تناقلها مباغتتهم لجنود الاحتلال ليلا بأضواء معلقة في الهواء، يصحبها أصوات تكبيرات جهورية لعشرات المرابطين هناك في العتمة ممن تسمع صوتهم ولا ترى وجوههم، فتشعر وكأنك تطوف بالكعبة، أو ربما تفاجأ بأصوات صرخات كصرخات الهنود الحمر، يصحبها مشاعل بعيدة تطوف حول نار ضخمة، دون أن تبدو وجوه حامليها واضحة للجندي المراقب فيظن أنها لقطة من فيلم مرعب !

أجل مرعبة لدرجة أخرجت المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عن طوره وجعلته يتساءل عبر صفحته "الفيسبوك" عن مصدر أصوات الهنود الحمر على الحدود مع قطاع غزة ، وقد عكس هذا القلق الإعلام العبري الذي بدأ يتحدث عن ظاهرة خطيرة على الحدود حيث تتسبب هذه الأعمال في إزعاج وإرباك جنود الجيش الاسرائيلي المنتشرين على طول الحدود مع قطاع غزة وذلك باعتراف من الاحتلال.

ولعل وحدة الارباك الليلي كانت نموذجا آخر على قدرة شباب المسيرات  السلمية على الابتكار وكانت عاملا مساندا لمسيرات العودة نهارا، ومربكا حقيقيا لقوات الاحتلال، وقدرة فاقت التصورات على القيام بعمليات مباغتة ليلية لا يراها العدو، بأدوات لا تتخطى أضواء الليزر الخافتة والكشافات التي تستخدم في عمليات الارباك، وبإمكانيات بسيطة.

وتضاف هذه الوحدة إلى عدة وحدات ظهرت منذ بداية مسيرات العودة وأهمها "وحدة الكوشوك، ووحدة الطائرات والبالونات الحارقة، ووحدة قص السلك، ووحدة المساندة" وغيرها من الوحدات والأساليب المبتكرة في مواجهة جنود الاحتلال.

هذه الرسائل وغيرها التي تطلقها مسيرات العودة منذ بدايتها ما هي إلا كلمة حق للعالم ، ودليل على أننا لن يبرح الغزيون الحدود، فهم باقون، بإمكانياتهم المتاحة وبقوة أكبر من كل ذلك، صوت الحق الذي يصرخ في العتمة ليلا والناس نيام.