تجنب زوارق الاحتلال فنال منه الرصاص المصري

الصياد زيدان.. بحث عن قوت أطفاله وعاد إليهم مضرجاً بدمائه!

الشهيد زيدان اثناء تشيعه بمخيم الشاطئ
الشهيد زيدان اثناء تشيعه بمخيم الشاطئ

غزة-محمد شاهين

كعادته، أبحر الشاب الغزي عبد الله زيدان (32 عاماً) باحثاً عن قوت عياله في عرض البحر الأبيض المتوسط، متجنباً زوارق الاحتلال الإسرائيلي التي سرعان ما تفتح نيران رشاشاتها تجاه الصيادين الفلسطينيين، غير أن رصاص جنود السلطات المصرية كانت له بالمرصاد!

لم يعد زيدان إلى أطفاله في مخيم الشاطئ للاجئين غرب غزة بالطعام بل عاد إليهم مضرجا بدمائه، فظن طفله الصغير أن "اليهود طخوه واستشهد في البحر"، دون أن يدرك أن هناك من يتربص بلقمة عيشهم غير الاحتلال "الإسرائيلي".

حافي القدمين يتجول الطفل محمد ذو السبعة أعوام حول خيمة عزاء والده الذي أنهى معاناته كصياد فلسطيني يبحث عن لقمة عيشه المغمسة بالدماء، بعد أن أردته رصاصتان من زورق حربي مصري شهيداً دون سابق إنذار أو أي تحذير رغم عدم اجتيازه للحدود.

ولا يدرك محمد أن رحيل أبيه هذه المرة بلا عودة، معتقداً أنه ذهب في رحلة صيد قصيرة ولكن إلى الجنة، وأنه سيعود بعدها بسمكة كبيرة، مبدياً استغرابه من تعليق صور والده وسط خيمة العزاء، بعد أن سأل "الرسالة" عن ذلك.

وكان الشهيد عبد الله زيدان قصد جنوب القطاع ليبحث عن صيد يعيل أطفاله (محمد وأحمد ومحمود ومصطفى)، مبتعداً عن زحام الصيادين وسط البحر القطاع، وهارباً من الحدود الشمالية المملوءة بزوارق جيش الاحتلال، محاولاً التقاط رزقه بعيداً عن الخطر.

يسرد رفيق الشهيد الذي كان معه على متن القارب "للرسالة"، لحظة الموت، ويقول " لم تمض ساعات قليلة على وصولنا إلى المكان الذي وجدناه مناسباً للصيد بالقرب من الحدود المصرية التي لم نتجاوزها، وما إن بدأنا بالصيد حتى تفاجأنا بوابل من الرصاص أطلقه علينا طراد بشكلٍ مباشر ومن دون أي إنذار".

ويكمل صاحب البشرة السمراء "بقيت ثلاثة دقائق بعد إطلاق النار ملقيا وجهي على سطح القارب، لانتبه بعدها لصوت أنفاس عبد الله وهو ينطق الشهادة، ثم خرجت بعدها من المياه ونقلناه إلى مستشفى يوسف النجار برفح، وحولوه على وجه السرعة إلى مستشفى الأوروبي بخان يونس ليفارق بعدها الحياة هناك".

ولم يكن بحسبان عبد الله ورفيقه أن تطلق البحرية المصرية عليهم الرصاص، بحكم رابط العروبة والأخوة الذي يجمعهم، وكونهما لم يتخطيا الحدود الفلسطينية، ويقول رفيقه بالعامية، "راح عبد الله بغدر جندي عربي حاقد.. فكر إنه قلبه أبيض مثله وبخاف يقتل بسة مظلومة".

والد الشهيد الذي اكتسى الحزن وجهه، لم يستطع أن يحبس دموعه التي كانت تتساقط عنوةً على خديه في بيت العزاء، بعد أن صعدت الهموم على ظهره المنحني فور رحيل بكره عبد الله، حزناً على فراقه، وخوفاً على أبنائه الأربعة الذين كان يقضى الشهيد وقته ليجمع لهم طعاماً.

يقول رمضان زيدان والد الشهيد: "أتتنا الطلقة من حيث لا نحتسب، كنا نعتقد بأن عبدالله في أمان حين يقصد المناطق الجنوبية للصيد مبتعداً عن زوارق الاحتلال، لنصدم بخبر إصابته الذي بلغنا من أصدقائه، وخرجنا بعدها ملهوفين للبحث في المستشفى، وبعد أن وجدناه بدقائق قليلة زف خبر استشهاده".

أخلاق الخمسيني المكلوم، الذي شابهت أخلاق ابنه الشهيد، منعته من إخراج كلمة واحدة يشتم بها المصريين وجيشهم، أثناء حديثه المطول مع "الرسالة"، لينقل طلباً واحداً إلى الرئيس المصري يطلب فيه محاكمة من قتل فلذة كبده الذي خرج أعزلاً ليعيل 12 فراداً.

ولعل مشهد المنزل الذي تقطنه عائلة زيدان، يختصر حديثاً طويلاً عن وضعه الاقتصادي، كونه لا يمتلك إلا غرفة واحدة داخل البيت المشيد من صفيح مهترئ، ويجبر على النوم بها هو وأطفاله الأربعة وزوجته نظراً لضيق المساحة وكثرة أشقائه.

لا يذكر والد الشهيد الذي اعتزل مهنة الصيد لتقدمه في السن، أن ابنه الراحل تسبب له بمشكلة واحدة مع الجيران أو الأصدقاء، بعد أن اتصف بالهدوء وحب تقديم الخدمة للآخرين، والمواظبة على الصلوات في وقتها، وحرصه الدائم على العمل وجلب المصروف لعائلته التي كانت تحظى بكامل اهتماماته.

واكتظ بيت عزاء الشهيد، بمئات الصيادين الذي رافقوه في عرض بحر غزة، حيث أجمعوا "للرسالة" على حسن أخلاق الشهيد، وطيبة قلبه وحرصه على تقديم المساعدة لهم، كونه كان خبيراً في التعامل مع ظروف البحر المتقلبة، ومنقذاً طيلة أيام السباحة بفصل الصيف.

وفي خطوة احتجاجية، وحزناً على رحيل الشهيد عبدالله زيدان، علق صيادو قطاع غزة، الصيد داخل البحر أربعا وعشرين ساعة بعد استشهاده.

وقال نزار عياش نقيب الصيادين في القطاع "للرسالة": "إن الصيادين علقوا عملهم لمدة 24 ساعة احتجاجاً على مقتل زميلهم عبدالله زيدان"، معبراً عن استهجانه للحادثة، التي تعرض فيها الشهيد لإطلاق نار مصري وهو يمارس عمله الشاق ليجلب لأطفاله رزقهم، داخل الحدود الفلسطينية.