حب المقاومة جمع شهداء نفق الحرية

شهداء نفق سرايا القدس بخانيونس
شهداء نفق سرايا القدس بخانيونس

الرسالة-محمد بلّور

جمع حب المقاومة والرغبة الشديدة في الإعداد لمواجهة الاحتلال شهداء نفق الحرية، فلم يكن غريباً أن تهب جماهير دير البلح لوداعهم بعد تعذر انتشال جثامينهم الطاهرة التي احتضنها تراب الأرض المحتلة خلف السلك الفاصل شرق قطاع غزة.

وكانت سرايا القدس قد أعلنت صباح الجمعة الماضي انتهاء أعمال البحث في نفق الحرية على حدود دير البلح، معلنةً أن المقاومين الخمسة المحتجزين في النفق في عداد الشهداء.

وحين دوت عدة انفجارات ظهر الاثنين الماضي على بعد عشرات الأمتار شرق بوابة موقع (كسوفيم) كشف الستار عن فصول متوالية من حكاية خلّفت (12) شهيداً وقرابة عشرين مصاباً بعد قصف الاحتلال لأحد أنفاق المقاومة.

رحلة المجهول

في بيوت عزاء أربعة من فرسان المقاومة، كانت العيون مجهدة والوجوه بدّل الفراق ملامحها، وأجساد المجاهدين تنبض بالتحدي رغم ألم الفقد، مبديةً رباطة جأش واستعداد لمواصلة الطريق.

"اليوم أصبحت مستعد ان أقدم روحي كما قدمها ابني بدر فداءً لفلسطين ومن أجل تحرير الأسرى"، بهذه الكلمات يتوّج السيد كمال أبو مصبّح حديثه عن ابنه الشهيد بدر، فيما حبس الحضور أنفاسهم من موقف والد الشهيد الذي تحوّل من حالة الألم إلى تتويج التضحية.

ويقول كمال: "ابني بدر شخصيته قوية لكنه دائماً صامت.. أنهى دبلوم الكترونيات وانخرط في المقاومة، وكنت أراقب شجاعته وهو يمضي أيامه بحالة طبيعية رغم مشقة طريقه".

في بداية التحاقه بالعمل المقاوم دار حوار ساخن بين الأب وابنه حول خطورة ما قد يحدث له، لكنه انتهى باقتناع الأب أن ابنه بدر مصرّ على مقاومة الاحتلال ولن يغيّر قناعته. ويتابع والد الشهيد: "الاحتلال حجز جثامين الشهداء ليضغط علينا، لكن أقول له إن ذلك لن يؤثر فينا، وأفتخر أن ابني شهيد وأقول لمن الآن يعمل مثله: الله معكم والمقاومة لم تقصر بحقنا، فالقائد عرفات استشهد مع جنوده في النفق، وأنا مستعد أقدم روحي في هذه الطريق".

في خيمة العزاء، قابلت الرسالة الشاب أمير العزايزة صديق طفولة الشهيد، حيث تخلّى عن فناجين القهوة التي كان يدور فيها على المعزين، منوهاً لمشوار الصداقة بينهما الذي بدأ من رياض الاطفال وحتى دراسة الكلية.

يطرق أمير رأسه حين يتحدث حزيناً عن صديقه الراحل فيقول:" أنا فقدت روحي .. أكثر من روحي الله يعلم كم أحبه ..فهو شاب خلوق، من لحظة قصف النفق وأنا أتنقل بين مكان النفق وبيت بدر وخيمة العزاء".

في الشهور الاخيرة من حياته لاحظ أصدقاء الشهيد أن برنامجه اليومي تبدّل كثيراً، فهاتفه النقّال كثيراً مغلق وظهوره أصبح نادراً.

ويؤكد مسئول بدر المباشر في سرايا القدس إنه نشط بعد حرب عام (2014) وأبدى براعةً في مجال الإسناد قبل الالتحاق بالعمل في مجال الأنفاق حتى يوم استشهاده.

عشرون رصاصة

قبل أيام أخرج الشهيد علاء أبو غراب عشرين رصاصة من جعبته العسكرية، وقال لأمه أطلقي هذه الرصاصات يوم تشييع جثماني شهيداً.. لم تدر الأم ولا الأشقاء أن رحيله اقترب فتحوّلت دفّة الحديث عن خطبة عروس المستقبل.

ومنذ سبع سنوات يحافظ علاء على المبيت في المسجد المجاور لمنازل عائلة أبو غراب، ولا يترك الحيّ إلا لمهمات المقاومة التي أخذت في الآونة الأخيرة معظم وقته.

يقول سامي أبو غراب والد الشهيد إن ابنه بطبعه هادئ وملتزم دينياً وإنه علم مؤخراً أنه يعمل حفر أنفاق المقاومة وعندما تبادلا الحوار في هذا الأمر أخبر والده أنه اختار هذه الطريق طالباً للشهادة.

ويتابع: "ما حدث معه شرف كبير لنا وسنظل ندعم المقاومة حتى نصلي في القدس..آخر أيامه كان أوصى أمه إن استشهد أن توزع الحلوى وترش أوراق الورد فوق نعشه.. اليوم أقول للمقاومة التي تحاول تحرير الأسرى نحن وأبناؤنا جيلاً بعد جيل معكم" .

ويحاول ثائر أبو غراب شقيق الشهيد علاء التدخل للإدلاء ببعض التفاصيل التي أثارت استغرابه في الأيام الأخيرة من حياة شقيقه حين كان يداعب ابنه وابنته ويشتري لهم كل ما يطلبون.

ويضيف: "طلب مني نقودا ليذهب مشوار فلم يكن معي ولما تدبرت الأمر لحقت به وأعطيته النقود، كان سعيداً وقال سأقابل اليوم رجل مهم وخرج ولم نره بعدها".

ويقول أحد كوادر سرايا القدس الذين جمعتهم أعمال المقاومة مع أبو غراب إنه لم يتوانَ يوماً في تنفيذ أي مهمة توكل إليه ولم ينقطع يوماً عن نوبته في حفر الأنفاق.

وكان الشهيد أبو غراب قد نشط في صفوف المقاومة من سنوات وشارك في عدة مهمات مختلفة منذ حرب عام (2014) وقد عرف عنه أنه كان يوزع الحلوى على أطفال الحي ليغرس فيهم حب المقاومة.

(أطلب عفوكم)

في آخر منشوراته على موقع (فيسبوك) وشبكة الإنترنت نشر الشهيد شادي الحمري خريج تخصص تكنولوجيا المعلومات عبارات يطلب فيها السماح والعفو من كل إنسان.

 وحين تزور منزل الحمري في دير البلح تدرك أن غيابه كان أمراً صعباً للغاية، وقد بدا ذلك في حديث والده المؤثّر وعمّه سعيد الذي نعى شادي بكلمات مؤثّرة مزجت بين آلام الفقد وعبارات الرثاء.

ويقول سامي الحمري إن ابنه واحد من بين عدة شبان قدمتهم الأسرة شهداء طوال السنوات الماضية، وإنه في الأسابيع الأخيرة كان يتقرّب لوالديه بالطاعة المطلقة".

ويضيف: "صبيحة كل يوم أوقظه لصلاة الفجر لنصلي جماعة في المسجد فإن تأخرنا نصلي أنا وهو في البيت.. أمه وأشقاؤه لاحظوا تغيراً عليه قبيل استشهاده فلديه قناعات بحق الفلسطيني الأكيد في مقاومة الاحتلال ورفض الزواج كثيراً وكان يردد سأتزوج من الحور العين".

ويرى الحمري أن جثامين الشهداء التي احتجزها الاحتلال ومحاولة ربط قضيتها بملف جنود الاحتلال المحتجزين لدى المقاومة لن تؤثّر في مشاعر أهالي الشهداء، وأن الجثامين أينما دفنت ستكون في حضن أرض فلسطين المحتلة.

ويصف سعيد الحمري عم الشهيد شادي ما انتهى به الشهيد بأنه عمل بطولي، وأن فقدانه لن يكون أغلى من عشرات الشهداء الذين قضوا في مرحلة الإعداد والمقاومة من أجل فلسطين.

ويتابع: "قبلنا قدر الله في شاب رحل وهو يجمع بين صفة الجدية والرجولة والمرح في الوقت ذاته وهذا عمل مشرّف وأنا أشهد له بالخلق وهو رجل بمعنى الكلمة".

المعلومات عن الشهيد الحمري لدى أحد أصدقائه في سرايا القدس كثيرة لكن حزنه على فقدانه أضاع كثير من التفاصيل حين قابلته الرسالة في بيت عزاء الشهيد، مبيناً أن مشواره الجهادي بدأ بعيد حرب (2014).

ويضيف: "كان يساعد الشهيد تامر الحمري كثيراً لكنه التحق بشكل رسمي بعد حرب 2014 ولديه خبرة في القنص والعمل الميداني حتى الأنفاق التي تفرغ للعمل فيها بشكل كامل".

فوهة النفق

على فوهة باب نفق الحريّة الذي استشهد فيه، كتب الشاب محمد البحيصي في اليوم الأول من عمله فيه فوق أحد الحجارة (الطريق إلى الجنّة) ورسم سهماً يتجه إلى السلك الفاصل في إشارة إلى فلسطين المحتلة.

الحكايات والمواقف عن الشهيد محمد البحيصي (22) عام لا تنتهي، فإلى جانب شخصيته المتسامحة داخل أسرته ومع أصدقائه، تمتع بالسريّة التامة والكتمان خلال عمله في المقاومة.

العلاقة بين السيّد خير الدين البحيصي والشاب محمد ليست علاقة أب بابنه، فينهما صداقة وأحاديث خاصّة تختلف عن بقية أبنائه وبناته الخمسة حتى كان الأب يصرّح لابنه أنه يحبه كثيراً دوناً عن أشقائه.

ويقول البحيصي: "منذ مرحلته الإعدادية ظهر حبه للمقاومة وهو شخص كاتم للسرّ طيب القلب وكان بيننا أحاديث وجلسات كثيرة كالأصدقاء وكل همّه فلسطين وهو يقول كلمة الحق لأي إنسان مهما كان الموقف".

ويرفض والد البحيصي محاولات الاحتلال ربط إعادة جثامين الشهداء الخمسة بأي معلومة عن جنود الاحتلال في غزة، متابعاً: "في الإسلام الأجساد بالية وأطالب المقاومة ألا تعطي معلومة عن جنود الاحتلال حتى لو كان ابني حياً يرزق".

منذ أربع سنوات نشط البحيصي في صفوف المقاومة وعمل في عدة مهام منها إطلاق القذائف الصاروخية دفاعاً عن قطاع غزة خلال الحرب وكذلك في مهمات الإسناد وحتى حفر الأنفاق.

يقول أبو محمد أحد قادة سرايا القدس الذي تولي المسئولية المباشرة على البحيصي إنه افتقد رجلا مخلصا ومثابرا في العمل يؤدي مهماته بهدوء وسريّة تامة.

ويضيف: "من عامين التحق بحفر الأنفاق وكان معظم اليوم في الفترة الأخيرة يحفر في الأنفاق ولو طلبته تجده في كل مكان موجود فهو ركيزة في العمل لا يتغيب مطلقاً وقبل استشهاده بأسبوع كان يبحث عن مهمات ميدانية أخرى يشارك في إعداد القذائف".