دراسة جديدة تستعرض ستة أنظمة للفلسفة الهندية القديمة

صدر مؤخرًا كتاب جديد يُعيد النظر في النصوص والمفاهيم القديمة ليستخلص منها ستة أنظمة فلسفية أساسية شكّلت حجر الأساس للفكر الهندي، قبل أن يظهر شنكارا ويقدّم تفسيره المنهجي لميتافيزيقا الفيدانتا.

تشمل المدارس الخمس التي سبقت شنكارا: نيايا، فايشيشيكا، سانكيا، يوغا، وبورفا ميمامسا. ورغم أن كل واحدة منها تطورت بشكل مستقل، إلا أن جميعها انطلقت من مبدأين أساسيين هما “ميمامسا” أي التحقيق، و”فيتشارا” أي التأمل، واللذان ارتكزا على محاولة فهم طبيعة العالم النهائية، والغرض من الحياة.

تتقاطع هذه المدارس أحيانًا في المفاهيم وطرق الاستدلال، لكنها تختلف بوضوح في منطلقاتها ومواقفها، مما يعكس التنوع الفكري الذي ساد تلك الحقبة، ويبرز قوة الاستقلالية في التفكير الفلسفي آنذاك.

مدرسة نيايا: منطق وتحليل

يُنسب تأليف “سوترا نيايا” إلى الحكيم غوتاما، ويعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد. وتُركّز هذه المدرسة على المنطق والجدل، مع إعطاء أهمية كبيرة للتحليل العقلي. حددت نيايا أربعة مصادر للمعرفة: الإدراك (براتيَكشا)، الاستنتاج (أنومانا)، القياس أو التشبيه (أوبامانا)، والشهادة اللفظية (شابدا).

تعتبر هذه الأدوات ضرورية للتحقّق من وجود أو عدم وجود أي مفهوم يُطرح. وترى نيايا أن المعلومة لا تُقبل إلا بعد إخضاعها للتحليل المنطقي، رافضةً القبول بأي فكرة لمجرد إعلانها.

مدرسة فايشيشيكا: بداية النظرية الذرية

أسس هذه المدرسة الحكيم كانادا، أيضًا في القرن الثالث قبل الميلاد. اعتمدت فايشيشيكا على أدوات نيايا، لكنها تجاوزتها لتضع أول نظرية فلسفية عن الذرّة.

تؤمن هذه المدرسة بأن جميع الأشياء المادية تتكوّن من أربعة أنواع من الذرّات، تعود إلى عناصر الأرض، الماء، النار، والهواء. وتُقرّ بأن كل شيء نهائي يمكن تفكيكه إلى أجزاء، حتى يصل إلى ذرّة واحدة لا تُفنى ولا تنقسم. وترى أن اختلاف نِتاج تركيب الذرّات يرجع إلى خصائص مميّزة تُعرف بـ”فيشيشا”.

ورغم أنها واقعية في جوهرها، تعترف فايشيشيكا بأن هناك عناصر غير مادية في الكون مثل الزمان، المكان، الأثير (آكاشا)، الذهن والروح. كما تقبل، بتحفّظ، بوجود إله “إيشوارا”، ودوره في تنظيم الكون دون أن يكون خالقًا للمادة نفسها، مما يجعل موقفها الفلسفي قريبًا من اللاأدرية.

مدرسة سانكيا: الثنائية الكونية

تُعدّ سانكيا، التي وضع أسسها الحكيم كابيلا في القرن السابع قبل الميلاد، من أقدم البُنى الفلسفية الممنهجة في الفكر الهندي. تقوم هذه المدرسة على ثنائية كونية بين “بركريتي” و”بوروشا”.

بركريتي تُشير إلى الطبيعة الخام، وهي وحدة شاملة أزلية ومستقلة، منها ينشأ الكون. لكن هذا الانبعاث لا يبدأ إلا بتأثير “بوروشا”، الذي يُمثّل الوعي أو العنصر العاقل.

قبل أن يتفاعل بوروشا مع بركريتي، تظل الأخيرة في حالة سكون، وثلاثة عناصرها الأساسية (ساتفا، راجاس، تاماس) في توازن. “ساتفا” ترمز للنقاء، “راجاس” ترمز للطاقة والحركة، أما “تاماس” فتدل على الخمول والثقل.

هذه المدرسة لا ترى الكون كمجموعة ذرات متفرقة كما في فايشيشيكا، بل تعتبره تطورًا مستمرًا من وحدة كلية – بركريتي – تحت تأثير وعي مستقل – بوروشا. هذا التصوّر يمنح سانكيا بُعدًا تأمليًا وروحيًا عميقًا في فهم نشأة الكون وتطوره.

إرث فلسفي غني ومتنوع

تكشف هذه المدارس الفلسفية عن حقبة ثرية في تاريخ الفكر البشري، امتازت بالتنوع والتعمّق في تحليل الوجود، المادة، الوعي، وحتى الخالق. ورغم أن بعضها تأملي وبعضها الآخر واقعي وتحليلي، فإنها جميعًا ساهمت في بلورة رؤية فريدة للكون، أثّرت في مسار الفلسفة العالمية لقرون لاحقة.